النص الكامل لكلمة الإمام الخامنئي خلال لقائه أطياف الشعب الإيراني بمناسبة العام الهجري الشمسي الجديد

لا يوجد بلد في العالم يحظى شعبه بالاستقلال الذي يحظى به الشعب الإيراني اليوم

النص الكامل لكلمة الإمام الخامنئي خلال لقائه أطياف الشعب الإيراني بمناسبة العام الهجري الشمسي الجديد

التقى الإمام الخامنئي بعد ظهر يوم الأربعاء 21/3/2018م الآلاف من زوار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وذلك بالتزامن مع اليوم الأول من السنة الهجرية الشمسية الجديدة. وخلال هذا اللقاء عدّد سماحته أهمّ قيم ومبادئ الثورة الإسلامية كما شرح سماحته أهم الأعمال الواجب القيام بها لتحقيق شعار هذا العام والقيام بدعم البضائع والإنتاج الداخلي الإيراني، وفيما يتعلق بقضايا المنطقة أكد الإمام الخامنئي أنّ تواجد إيران في بعض بلدان المنطقة كان بناءً على طلب حكومات هذه البلدان وشعوبها.
وفي ما يلي النص الكامل للكلمة التي ألقاها سماحته خلال هذا اللقاء:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، سيما بقية الله في الأرضين. اللّهمّ صلّ علىٰ وليك عليّ بن موسىٰ‌ عدد ما في علمك صلاةً دائمةً بدوام عزّك وسلطانك، اللّهمّ سلّم علىٰ عليّ بن موسى‌ الرّضا عدد ما في علمك سلاماً دائماً بدوام مجدك وعظمتك وكبريائك. اللّهمّ صلّ علىٰ وليك علي بن محمّد الهادي النّقي سلاماً دائماً بدوام عزّك وسلطانك.

أشكر الله تعالى على توفيقه لأنْ ألتقيكم أيها الأهالي الأعزاء الأوفياء مرة أخرى وسنة أخرى إلى جوار هذه البقعة الطاهرة المباركة، وأهدي سلامي للزوار الأعزاء الذين اجتمعوا هنا من كل أنحاء البلاد ولسكان هذه المدينة المقدسة المحترمين. أبارك حلول السنة الجديدة وعيد النيروز، وأتقدم بالتعازي بمناسبة استشهاد الإمام الهادي (سلام الله عليه). من بين مجموعة الآثار والبركات التي وصلتنا عن أئمة الهدى (عليهم السلام) يمتاز هذا الإمام الهمام بخصوصية أنه بيّن في ضمن الزيارة أهمَّ الفصول المتعلقة بمراتب الأئمة (عليهم السلام) بأوفى وأشفى وأجمل التعابير. فالزيارة الجامعة الكبيرة لهذا الإمام العظيم. وزيارة الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في يوم الغدير وهي من غُرر تعابير وأقوال الأئمة (عليهم السلام) هي لهذا الإمام العظيم. نتمنى ببركة النظرة الحانية لهذا الإمام الهمام ـ الذي صادف يوم استشهاده اليومَ الأول من السنة وتزامن مع عيد النوروز ـ أن يحظى الشعب الإيراني في هذه السنة بالهداية الإلهية.

سوف أذكر اليوم عدة نقاط وأمور لكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء الحاضرون هنا، وهي في الواقع لكل الشعب الإيراني الكبير. أولاً ستكون لنا نظرتنا الإجمالية المختصرة لملف أداء الجمهورية الإسلامية على مدى أربعين سنة ـ سواء على مستوى الأصول والمبادئ الأساسية والشعارات والقيم، أو على مستوى الأداء والعمل ـ لأنّ سنة 1397 وهي هذه السنة تُمثل العام الأربعين لانتصار الثورة. وقد لفتت هذه الراية المرفوعة طوال هذه الأعوام الأربعين الأنظار والقلوب إليها بين مجموعة هائلة من شعوب المنطقة. نرغب أن تكون لنا نظرتنا الإجمالية لنرى كيف كانت وضعية الشعارات الأصلية لنظام الجمهورية الإسلامية، وكيف كان أداء المسؤولين خلال هذه المدة. وبالطبع فإن هذا الموضوع موضوع طويل مُفصَّل، ولا تتناسب هذه الجلسة مع ذلك الطول والتفصيل، لذا سأكتفي ببيان قصير وبالإشارات تقريباً، وأحيل البيان المفصل لهذا الموضوع إلى جلسة أخرى في شهر رمضان المبارك، إذا بقيتُ حياً وأدركتُ الشهر المبارك، فسوف أتحدث بالتفصيل إن شاء الله حول هذا الموضوع في أحد لقاءات شهر رمضان المبارك. هذه إحدى النقاط.

النقطة التالية هي أن نقول إن في بلادنا مواهب وإمكانيات واسعة جداً لم تستثمر لحد الآن، وإذا استثمرت واستُفيد منها فسوف يتقدم الوضع في البلاد كثيراً ويتحسّن أضعافاً. النقطة الأخرى التي أشير لها اليوم هي عقبات الاستفادة من هذه الإمكانيات، كي نتعرف بمقدار ما على عيوبنا السلوكية والأدائية، لنرى ما الذي أدى إلى أن لا نستطيع الاستفادة من هذه الإمكانيات العظيمة. النقطة التالية والعنوان التالي يتعلق بشعار هذه السنة وهو «دعم البضائع الإيرانية»، حيث أقدم إيضاحاً حول هذا الشأن. وهناك أيضاً إشارة إلى قضايا المنطقة وإشارة إلى المستقبل. هذا هو فهرس النقاط التي سأطرحها اليوم. أتمنى على الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات الحاضرين في هذه الجلسة أن يستمعوا لهذا الموضوع بإمعان، وأسأل الله تعالى أن يجعل لساني طلقاً لأستطيع بيان ما أقصده.

حول القيم الأصلية للثورة وشعاراتها وأصولها الأساسية ما أستطيع قوله هو أن الثورة خرجت من هذا الاختبار بنتيجة جيدة، بمعنى أن الشعب الإيراني استطاع الحفاظ على الأصول والمبادئ الأساسية وشعارات الثورة الأصلية إلى اليوم بنفس قوّتها الأولى. وهذه هي الشعارات والقيم الأصلية: الاستقلال، والحرية، والسيادة الشعبية، والثقة بالنفس الوطنية، الإيمان بالذات الوطنية، والعدالة، وفوق وأعلى من كل ذلك تحقيق وتطبيق أحكام الدين والشريعة في البلاد. لقد تمت المحافظة على هذه الشعارات بنفس حيويتها الأولى.

شعارات وقيم الثورة الإسلامية الأصلية هي الاستقلال، والحرية، والسيادة الشعبية، والثقة بالنفس الوطنية، الإيمان بالذات الوطنية، والعدالة، وفوق وأعلى من كل ذلك تحقيق وتطبيق أحكام الدين والشريعة في البلاد.
يتمتع البلد اليوم بالاستقلال، وهذه هي الإرادة العامة لهذا الشعب في ثورته؛ بمعنى أنه ردّ فعل الشعب الإيراني على مئتي عام من هيمنة الأجانب على هذا البلد. من المناسب أن يهتم شبابنا وأهل الفكر والبحث والتحقيق عندنا بهذا الموضوع. إلى ما قبل الثورة كانت قوى الهيمنة متسلطة على هذا البلد لقرابة مئتي عام، وكانت الحكومات تحكم في ظل القوى الأجنبية. لقد كانت الحكومة القاجارية قائمة بضمانة الدولة القيصرية في روسيا؛ بمعنى أنه في الحروب بين إيران وروسيا، وفي قضية تركمنتشاي، أخذ عباس ميرزا القاجاري وعداً من الروس بأن يبقى الحكم في العائلة القاجارية، بمعنى أن العائلة القاجارية كانت تعيش تحت راية وضمانة الروس. ثم جاء الإنكليز وجاؤوا برضا خان إلى الحكم، والإنكليز هؤلاء أنفسهم جاؤوا بمحمد رضا إلى الحكم. وبعد ذلك في الثامن والعشرين من مرداد سنة 32 [19/08/1953 م] دخل الأمريكيون إلى الساحة وجددوا الحكم لمحمد رضا. أي طوال هذه السنين المتمادية كانت هذه القوة الأجنبية أو تلك تأتي بحكوماتنا وتذهب بها. في فترة من الزمن ـ معاهدة 1907 م ـ اتفقت بريطانيا وروسيا القيصرية على تقسيم إيران بينهما، ليكون جزء منها تحت هيمنة بريطانيا، وجزء آخر تحت هيمنة الروس، وجزء صغير في الوسط يبقى مستقلاً. لقد كان البلد خاضعاً للهيمنة إلى هذا الحدّ. لذا فقد كانت الإرادة العامة للشعب الإيراني هي الخروج من هذه الحالة وتحقيق الاستقلال. واستطيع القول إنه لا يوجد بلد في العالم اليوم يحظى شعبه بالاستقلال الذي يحظى به الشعب الإيراني. كل شعوب العالم لديها نوع من المداراة للقوى [العالمية] بشكل من الأشكال. والشعب الذي لا تخضع آراؤه لتأثير أية قوة من القوى [العالمية] هو الشعب الإيراني. إذن، بقي الاستقلال محفوظاً.

الحرية، الاستقلال والحرية إلى جوار بعضهما كانا من الشعارات الأصلية للثورة. وقد تمّ تأمين وتحقيق الحرية في هذا البلد. نعم، البعض لا يُنصفون فيستخدمون الحرية الموجودة ليقولوا لا توجد حرية، وتعكس الإذاعات الأجنبية والإعلام الأجنبي كلامهم. ليس هذا هو واقع الأمر، إذ توجد في بلادنا اليوم حرية فكر، وحرية تعبير عن الرأي، وحرية انتخاب. لا يتعرض أي شخص للضغوط والتهديد والملاحقة لأن فكره ورأيه يختلف مع الدولة. كل من يدّعي بأنني تعرّضت للضغوط لأن عقيدتي في القضية الفلانية بخلاف عقيدة الدولة، كل من يدّعي مثل هذا الادعاء فهو كاذب، فلا يوجد مثل هذا الشيء. أفراد متعددون في وسائل إعلامية مختلفة يبدون أفكاراً متنوعة ضد الدولة ـ وهي معتقداتهم ـ وليس لأحد شأن بهم، وليس من المقرر أن يتعرض لهم أحد بشيء. هناك حرية تعبير عن الرأي، ويستطيعون قول معتقداتهم.

نعم، الحرية لها في كل مكان في العالم إطارها، فلا توجد حرية بمعنى العمل بخلاف القانون، ولا توجد حرية بمعنى العمل بخلاف الدين والشريعة. إطار الحرية في بلادنا هو دستور البلاد وقوانين البلاد وهي كلها مستلهمة من الشريعة الإسلامية الطاهرة. هذا شيء موجود طبعاً. أن يتوقع شخص أن يكون حراً فيعمل بخلاف القانون فهذا ليس بالشيء المنطقي وهو غير موجود. إذن، ثمة حرية [في البلاد].

إطار الحرية في بلادنا هو دستور البلاد وقوانين البلاد وهي كلها مستلهمة من الشريعة الإسلامية الطاهرة.
وهناك السيادة الشعبية، فالانتخابات العامة في بلادنا من أندر الانتخابات في العالم كله وفي مختلف البلدان نظيراً. تُقام الانتخابات في كل عام تقريباً، وفي الفترة الأخيرة مرة كل سنتين. والجميع أحرار في الانتخابات والجميع يشاركون، وشعبنا يشارك بحماس وشوق. لاحظوا أنَّ الحكومات التي تولت السلطة طوال هذه الأعوام الأربعين بانتخاب من الشعب، كانت لها ميول واتجاهات متنوعة، فكانت الميول في وقت ما نحو سياسة معينة، وفي وقت آخر على الضدّ من تلك السياسة، وهذا كله انتخبه الشعب. سيادة الشعب مستقرة في بلادنا. لم نسمح بأن تتأخّر انتخاباتنا حتى ليوم واحد، حتى في فترة الحرب.

القيمة والمبدأ الآخر هو الثقة بالنفس الوطنية والإيمان بالذات لدى الشعب الإيراني. بمعنى أنَّ الشعب لا يشعر أمام الآخرين بالانفعال والمهانة، وبمعنى روحية «نحن قادرون». هذا شيء موجود في البلاد اليوم والحمد لله. طبعاً قلتُ إن شرح هذه الأمور وإحصائياتها طويلة وسوف أذكرها في جلسة أخرى. في الوقت الحاضر يقف شعبنا وشبابنا والحمد لله على أقدامهم ويشعرون بالاستقلال والثقة بالذات.

وقضية العدالة، قلتُ قبل أسابيع (1) إننا متأخرون في موضوع العدالة، وهذه هي عقيدتي، لكن الآخرين ـ السيّئي الطويّة والنيّة ـ استغلوا الأمر بشكل آخر، فجعلوا معنى هذا الكلام أنَّ البلاد لم تتحرك أيّ حركة في مضمار العدالة. هذا بخلاف الواقع، فقد أنجزت الكثير من الأعمال على صعيد العدالة، أنجزت الكثير من الأعمال الجيدة، ولكن هذا ليس تلك العدالة التي نصبو إليها ويتمناها الشعب المسلم، بل هو وضع تفصله مسافة عن الطموح. وإلّا إذا قارنتم بلدنا بفترة ما قبل الثورة أو مع كثير من البلدان الأخرى ستجدون أن الفواصل الطبقية هنا أقل، وقدرات الشريحة الضعيفة أكبر، وعمومية وشمول التربية والتعليم والصحة والمؤشرات الأخرى أكبر بالتأكيد من كثير من البلدان الأخرى.

سجَّلتُ هنا إحصائيات لا بأس أن أذكرها. ومصدر هذه الإحصائيات والجهة التي قدمت هذه الإحصائية هي البنك الدولي، فهي ليست جهة داخلية. يقولون إنَّ المعامل الجيني قبل الثورة كان أكثر من خمسين. والمعامل الجيني هو حساب يؤشر على الفاصلة الطبقية والبون بين الفقراء والأغنياء في البلدان، وكلما كان هذا المعامل أعلى كلما كانت الفاصلة والاختلافات الطبقية أكبر، وكلما كان أقل كلما كانت الفواصل بين الطبقات أقل. قبل الثورة كان المعامل الجيني أكثر من خمسين، وفي سنة 94 [2015 م] كان المعامل الجيني في البلاد 38؛ بمعنى أننا استطعنا التقليل من الاختلافات الطبقية بهذا المقدار: من 50 إلى 38.

وطبقاً لإحصائية أخرى ـ وهي أيضاً من إحصائيات البنك الدولي ومن الإحصائيات العالمية الدولية ـ كانت الطبقة الفقيرة فقراً مطلقاً قبل الثورة تشكل 46 بالمائة من الشعب الإيراني، أي تقريباً نصف الشعب الإيراني قبل الثورة كان من الطبقات الفقيرة فقراً مطلقاً، ووصل هذا العدد اليوم من 46 بالمائة إلى 5/9 بالمائة، طبعاً في سنة 93 [2014 م]، ولا أمتلك إحصائيات ما بعد ذلك، بمعنى أن هناك أعمالاً أنجزت بهذا المقدار.

لقد أنجزت الجمهورية الإسلامية أعمالاً كبيرة لتأمين العدالة على الرغم من كل الضغوط التي مورست ضدها، واستطاعت تحقيق تقدم جيد. وبالطبع فإن الإعلام يقول شيئاً آخر، وتلك العدالة التي نتوقعها ونسعى إليها أكثر من هذا. إذن، شعار العدالة أيضاً شعار حقيقي وشعار باق وثابت في البلاد والحمد لله.

لقد أنجزت الجمهورية الإسلامية أعمالاً كبيرة لتأمين العدالة على الرغم من كل الضغوط التي مورست ضدها، واستطاعت تحقيق تقدمٍ جيد.
وقضية الدين وتحقيق الشريعة ببركة وجود مجلس صيانة الدستور، وكل القوى المستكبرة تعارض مجلس صيانة الدستور لأنه يضمن تطابق القوانين والأداءات مع الشرع المقدس. هذا ما يتعلق بالشعارات. وعليه أستطيع القول على نحو الإجمال إنَّ أداء أربعين عاماً على صعيد الشعارات الأصلية للثورة كان أداءً مقبولاً وجيداً.

أما بالنسبة لأداء المسؤولين في البلاد، وملف الأداء التنفيذي للمسؤولين. في خصوص الأمن والاستقرار كان الأداء أداء جيداً جداً. وفي خصوص العلم والتقنية كان الأداء جيداً جداً. وفيما يتعلق بالبُنى التحتية للبلاد ـ أي طرق المواصلات، والسدود، ومحطات الطاقة، والموانئ، وما إلى ذلك ـ كان الأداء أداء جيداً جداً. وفي مجال الصادرات غير النفطية وفي خصوص الدخل القومي الإجمالي فإن الدخل الفردي الإجمالي ازداد ضعفين تقريباً بالمقارنة مع ما قبل الثورة، وثمة ملف جيد في هذه المجالات. وكذا الحال بالنسبة للتنمية الاجتماعية، أي إن الأداءات في مجالات مختلفة تسجّل إحصائيات باعثة على الارتياح. وبالطبع فإنَّ الإعلام يعرض غير ذلك، فالأعداء يحاولون في إعلامهم إبعاد الناس عن الواقع الإيجابي من أجل أن يعكّروا قلوب الناس تجاه الثورة الإسلامية وتجاه النظام وتجاه الإسلام. الواقع هو هذا الذي ذكرناه.

النقطة اللاحقة تتعلق بالإمكانيات والطاقات غير المستثمَرة. وهذه بدورها نقطة على جانب كبير من الأهمية. أريد القول إن ما تلاحظونه من تقدم وإمكانيات وقدرات عامة ووطنية ما هو إلا استخدام واستثمار لجزء من طاقة البلاد، وطاقات البلاد أكبر من ذلك. لو استطعنا الاستفادة من كل طاقات البلاد وفق برمجة صحيحة فإن تقدم البلاد سيكون أكبر مما عليه اليوم بكثير. وهذه هي الطاقات والإمكانيات الموجودة:

من الإمكانيات المتوفرة الشبابُ المتعلم في إيران، وهذا شيء مهمٌ جداً. لدينا في البلاد عشرة ملايين خرّيج جامعي، ولدينا أكثر من أربعة ملايين طالب جامعي يدرسون حالياً، وهذا يعني أكثر مما كان في بداية الثورة بـ 23 ضعفاً. كان لدينا في بداية الثورة ما بين 170 و 180 ألف طالب جامعي. ولدينا اليوم أكثر من أربعة ملايين طالب جامعي، بمعنى وجود طلبة جامعيين أكثر من ذلك الوقت بـ 23 ضعفاً. وهذه طاقة وإمكانية عظيمة جداً للبلاد. وما عدا الشباب الجامعي هناك الشباب الذين يدرسون في الحوزات العلمية أو الشباب المشغولين بالعمل في مجالات العمل المختلفة وعددهم كبير جداً. هذه طاقات كبيرة ويمكنهم أن يمارسوا دوراً في العلم والصناعة والأمور التجربية والتربية والإعداد. ولم نستخدم هذه الطاقات بشكل صحيح، واليوم أيضاً لا نستخدم هذه الطاقات بشكل صحيح. ولهذا أصرُّ على أن الشباب يجب أن يعملوا ويبادروا ويؤسسوا ويبدعوا أينما استطاعوا ذلك. لا بدّ من برامج وتخطيط جامع شامل في البلاد للاستفادة من هذه المجموعة الشبابية التي لدينا في البلاد. وحين قلنا «حرية الإطلاق» [حرية المبادرة] فهذا لا يختص بالشؤون الثقافية بل في كل المجالات المؤثرة في تقدم البلاد يمكن للشباب أن يمارسوا دوراً. هذه واحدة من إمكانياتنا وطاقاتنا.

من الإمكانيات والطاقات المهمة الأمواج السكانية التي يعارضها البعض. يقول البعض «لماذا يجب أن يكون سكان البلاد بهذا العدد ولماذا يجب أن يزدادوا أكثر من هذا؟». هذا خطأ. إن ثمانين مليون نسمة في بلد ما هو سمعة وماء وجه لذلك البلد. وهذا البلد فيه ثمانون مليون نسمة. سياسة الغربيين هذه ـ وسوف أشير لذلك لاحقاً ـ أي سياسة تحديد النسل عادت وبالاً عليهم اليوم، وتتسبب في بؤسهم وتعاستهم. ويريدون للبلدان الإسلامية أن لا تتمتع بعدد كبير من السكان وبشباب فعالين نشطين كفوئين. حين أصرّ على أن النسل يجب أن يزداد وأن يكون للعوائل أولاد ـ أولاد أكثر ـ فالسبب هو أن غدَ هذا البلد بحاجة لهؤلاء الشباب، والشباب والطاقات البشرية ليست بالشيء الذي يمكن استيراده من الخارج، إنما ينبغي على البلد نفسه أن يؤمّنه. الأمواج السكانية هذه من الإمكانيات والطاقات.

ومن الفُرص التي يتمتع بها بلدنا سعة أراضيه ومتاخمته للمياه الدولية الحرة، ونحن لا نستخدم هذه الطاقات بشكلها الكامل. إحدى ضفتي الخليج الفارسي لنا، وجزءٌ كبيرٌ من بحر عمان لنا. وهناك العدد الكبير من الجيران، فنحن جيران لـ 15 بلداً، وهذه إمكانية وطاقة مهمة جداً للبلاد. بلدنا يقع من الناحية الجغرافية في مكان حساس هو نقطة اتصال الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وهذا مهم من الناحية الجغرافية.

ثمة في بلادنا مصادر طبيعية قيمة تُباع اليوم إلى الخارج من دون أن تكون لها قيمة مضافة، ومنها النفط والغاز. قلتُ في نفس هذا الاجتماع العام الماضي (2) إننا البلد الأول في العالم من حيث احتياطيات النفط والغاز بالمجموع. أي لا يوجد أي بلد يمتلك بمقدار من تمتلك إيراننا العزيزة من مجموع النفط والغاز كليهما. فنحن البلد الأول في الغاز، والبلد الرابع في النفط، ومن حيث مجموع هذين ـ حجم مجموع النفط والغاز ـ نحن البلد الأول في العالم كله. هذه إمكانية وطاقة مهمة جداً. وبسبب هذه الثروات يريد العدو أن يفرض سلطته وقوامته على هذا البلد بأيّ ثمن. هذا النفط والغاز من المصادر القيمة للبلد، بالإضافة إلى المعادن الكثيرة والقيمة، والغابات والإمكانيات والخيرات الجمّة الأخرى. إذا تمت الاستفادة من هذه الخيرات فسيجعل ذلك الاقتصاد الإيراني بين البلدان الإثني عشر الأولى من بين مئتي بلد في العالم، إذا إمكن إن شاء الله الاستفادة من هذه الطاقات بإبداعات الشباب وبمساهمة الشباب وبوجود المدراء النشطين الدؤوبين فإن اقتصاد إيران سيكون من ضمن الاقتصادات الإثني عشر الأولى في العالم، وسوف يتقدم من كل النواحي، والوضع ليس كذلك اليوم طبعاً.

حسناً، لماذا لم نستفد من هذه الطاقات والإمكانيات؟ السبب في عدم الاستفادة من هذه الطاقات هو وجود عقبات وموانع، وأذكر هنا بعض هذه الموانع.

أحد الموانع عدم إيمان بعض المسؤولين بهذه الطاقات نفسها، فهم إمّا لا يعتقدون بها أو لا يهتمون لها. وجود كل هؤلاء الشباب في البلاد يُشكِّل طاقة مهمة، ولم يكن بعض مسؤولينا على مرّ الأزمان يأبهون لهذه الطاقة. البعض لم يكن لديهم هذا الاعتقاد ولم يهتموا لهذه القضية. لم يكن البعض يؤمنون بأن هؤلاء الشباب يستطيعون فعل شيء. يوم بدأتْ الصناعة النووية في البلاد بالنشاط والعمل ووصلت إلى تلك الذروة التي يعلم بها الجميع، كان هناك البعض ـ حتى بعض علمائنا وبعض من ينتمون للأجيال السابقة ـ يقولون لنا «لا تفعلوا هذا يا سيدي، فلا فائدة من الأمر، ولا يمكن، ولا تستطيعون». بعضهم كان يكتب الرسائل لي ويقول لا تستطيعون. لماذا؟ لأن الذين كانوا يعملون ويتولون الأمور كانوا كلهم تقريباً من الشباب، أغلبهم كانوا في سن الثلاثين تقريباً وأقل من الثلاثين، هؤلاء استطاعوا. والذين أنكروا اعترفوا بعد ذلك بأنْ: نعم، هؤلاء استطاعوا حقاً القيام بهذا الأمر. الشباب هم الأساس اليوم في مختلف الصناعات وفي تقنية النانو، وفي الصناعات المختلفة، وفي الصناعات التكنولوجية الفائقة ـ وعلى حدّ تعبير المنبهرين بالغرب الهاي تيك [High tech] ـ في البلاد، وهم يعملون ويسعون ويجدون وهم قادرون. شبابنا قادرون على كثير من الأعمال الكبيرة. بعض مسؤولينا على مرّ الزمن لم يكونوا يؤمنون بهذه الطاقات أو لم يكونوا يهتمون لها.

اعتقد أن أهم تحدٍ في بلادنا هو تحدٍ ذهني؛ بمعنى أنَّ الرأي العام لا يعلم كم من الثروات يمتلكها البلد. وبعض مسؤولينا للأسف لا يعلمون كم يمتلك البلد من الثروات الإنسانية والطبيعية. والعدو يستغل هذه الحالة. يريد العدو أن يقول لنا إنكم لا تستطيعون أو لا تمتلكون. وأنا أصرّ على أن أقول للشعب بأننا قادرون ونمتلك وإمكانياتنا وطاقاتنا كثيرة. على المسؤولين أن يؤمنوا بقدرات الشباب وطاقاتهم ويهتموا بها. وعلى شبابنا أن لا يتعبوا من العمل ومن الإبداع والابتكار وأن لا يصابوا بالإحباط لبعض حالات الجفاء وعدم التقدير. يشتكي عندنا بعض الشباب ويقولون «إننا قمنا بالعمل الفلاني، أو كنا نستطيع القيام به، أو نستطيع القيام به، ولكن لا يُكترث لنا»، لا بأس، يجب أن لا يصابوا بالإحباط واليأس، بل ينبغي أن يتابعوا الأمور والأعمال والإبداعات. المسؤولون يتحملون واجباً، والشباب أنفسهم يتحملون واجباً أيضاً. هذا أحد الموانع.

مانعٌ آخرٌ هو التقاعس عن العمل. بعض الأفراد المسؤولين في قطاعات مختلفة كانوا مصابين للأسف بالكسل والتقاعس عن العمل ولا يزالون. وضعية البلاد تقتضي العمل الدؤوب بجدٍ وكدٍّ، وعلى المسؤولين والمدراء أينما كانوا مضاعفة الجدّ والعمل.

من الموانع التي أدت بنا إلى أن لا نستفيد من هذه الإمكانيات الثقة بوصفات الأجانب والاعتماد عليها. أشرتُ إلى أن شعبنا ليس منفعلاً أمام الأجانب. بعض مسؤولينا في مواقع مختلفة من البلاد يعتمدون على وصفات الأجانب أكثر من الوصفات الداخلية! وهذا بدوره خطأ كبير. لاحظوا هذه السياسة السكانية لدى الغربيين «أولادٌ أقل حياةٌ أفضل» هذه سياسة أوروبية وغربية، عملوا هم بها ويعانون اليوم من مشكلة، وراحوا يعلنون عن منح الجوائز للعوائل إذا ما أنجبت الأولاد، فهم يريدون تعويض تأخرهم، ولا فائدة من ذلك. وافق البعض هذه السياسة وهذه الوصفة الغربية. وقد أصررنا قبل سنوات وقلنا ـ في كلماتنا وفي جلساتنا الخاصة مع المسؤولين ـ أزيلوا موانع الإنجاب وتكثير النسل، ووافق المسؤولون وأيّدوا كلامنا، ولكن ثمة موانع للأسف في الإدارات الوسيطة، ولا يعملون كما ينبغي بالوصفة الإسلامية «تَنَاكحوا تَناسَلوا تَكثُروا فَاِنّي اُباهي بِكمُ الاُمَمَ يومَ القِيامَة» (3) لكنهم يعملون بالوصفة الغربية! هذه من موانع تقدمنا.

مانعٌ آخر هو العملُ بسياسات البنك الدولي، سياسة التعديل، السياسات المتعلقة ببعض المعاهدات الدولية، وعلى حدّ تعبيرهم كنوانسيون. العمل بهذه السياسات من موانع التقدم في البلاد.

عدم الاهتمام بالتدفق الداخلي في الاقتصاد. التدفق الداخلي من سياسات الاقتصاد المقاوم ومن خصوصيات الاقتصاد المقاوم. التدفق الداخلي معناه إنتاج الثروة بواسطة النشاط الداخلي للبلاد، فلا تكون الأنظار مسمّرة على الخارج، ولا يكون التوقع من الخارج. طوال السنين الماضية، وفي زمن حكومات مختلفة، أرادوا عدة مرات اقتراض قرض من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، لكنني لم أسمح وحلتُ دون ذلك. وكانوا قد مهّدوا المقدمات ليفعلوا ذلك. أنْ نطلب من الأجنبي ونكون متعهدين ملزمين أمام الأجنبي فهذا خطأ كبير. يجب أن يكون الاقتصاد داخلي التدفق. وبالطبع فليس معنى التدفق الداخلي للاقتصاد أن نغلق أبواب البلاد، لا، لقد قلنا «متدفق داخلياً متجه نحو الخارج»، وسوف أوضح الأمر عند إيضاح شعار «دعم البضائع الإيرانية». من الموانع عدم الاهتمام بسياسة التدفق الداخلي في اقتصاد البلاد.

ومن موانع تقدمنا التحزبات السياسية أوالفئوية، بمعنى «هذا العمل إذا قمتم به أنتم فهو جيد، أما إذا قام به التيار المقابل لكم فهو سيّئ». هذا إشكال أمرنا. نحن نعاني من نزعة الفئويات والتحزبات السياسية. يجب أن ننبذ هذه الحالة جانباً. الفعل الجيد إذا قام به شخص هو عدوّكم، فإذا كانت الإدارة واتخاذ القرارات بيدكم، فيجب عليكم إشاعة ذلك العمل الجيد ومتابعته. [وأما أن نقول] “لا نفعل ذلك الشيء لأن فلاناً فعله ولأن التيار المقابل فعله”، فهذا خطأ وغلط. وهذا من مشكلاتنا.

ومن مشكلاتنا عدم المكافحة الجادة للفساد. أقول هنا إن قضية الفساد في البلاد، أي شهرة الفساد والمفسد في البلاد تحوّلت إلى قضية شائعة جداً، لا، ليس الأمر على هذا النحو. وبالطبع حتى القليل من الفساد سيّئ، والقليل منه أيضاً مُضرّ، ولكن أن يروّج البعض ويشيعوا بأن «الفساد عمّ كل مكان» فلا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق. الأفراد الصالحون المؤمنون النزيهون ذوو الأيدي النظيفة في منظومات البلاد الإدارية ليسوا بقلائل، بل هم كثر، الأكثرية هم كذلك. وهناك عددٌ من الفاسدين. طبعاً يجب مكافحة هؤلاء الفاسدين بجدّ، ينبغي مكافحتهم مكافحة دؤوبة. أمَّا أن نقول ونتحدث ونطلق ضجيجاً ثم يخبو بعد فترة من الزمن، فليس هذا هو العمل المفيد للبلاد على المدى البعيد. إذن، من المشكلات عدم المكافحة الجادة للفساد.

أعزائي، من مشكلاتنا اعتماد البلاد على النفط. هذا النفط نعمة من الله لنا، ولكن أن يعتمد اقتصادنا على النفط فهذه من أكبر مشكلات بلادنا. يجب أن نفعل شيئاً ونجدّ ونجتهد لجعل النفط مستقلاً منفصلاً عن اقتصاد البلاد، فلا يكون زمامنا بيد النفط، بل يكون زمام النفط بيدنا. إذا كان زمامنا بيد النفط ستبقى هذه المشكلات لأن القوى الأخرى هي التي تُعيِّن أسعار النفط، وتفرض الحظر أحياناً، وتشتري أحياناً، وتقول أحياناً يجب أن لا نشتري من البلد الفلاني، بل نشتري من البلد الفلاني. يجب أن نحرر أنفسنا من الاقتصاد النفطي، وهي بالطبع عملية صعبة جداً، ولكن ينبغي حتمياً إنجاز هذه المهمة في البلاد.

يجب أن نجدّ ونجتهد لجعل النفط مستقلاً ومنفصلاً عن اقتصاد البلاد، فلا يكون زمامنا بيد النفط، بل يكون زمام النفط بيدنا.
ومن الموانع المهمة العيوب الأساسية الموجودة في أسلوب حياتنا. وهذه قضية لا علاقة لها بالمسؤولين بل تتعلق بنا نحن وأنتم وكل أبناء الشعب. لدينا مشكلاتنا في أسلوب الحياة، ومن مشكلاتنا النزعة الاستهلاكية، ومن مشكلاتنا الإسراف والبذخ وكثرة الإنفاق، ومن مشكلاتنا السعي المفرط وراء الرفاه، ومن مشكلاتنا النزعة الارستقراطية. النزعة الارستقراطية تنحدر للأسف من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا، فنرى الإنسان المتوسط أيضاً ـ أي الفرد من الطبقات المتوسطة ـ عندما يريد إقامة وليمة أو حفلة عرس فإنه يقيمها كالارستقراطيين. هذا عيب وخطأ وفيه ضربة وضرر للبلاد. الاستهلاك بكثرة وطلب الأكثر والأكل بكثرة والإنفاق بكثرة من عيوبنا المهمة في أسلوب حياتنا.

يجب علينا أن نتعصب لاقتصادنا الوطني، فاستهلاك البضاعة الأجنبية من عيوبنا المهمة. يجب أن نتعصّب لاستهلاك البضاعة الداخلية ولاقتصادنا الوطني. شبابنا متعصبون لفريق كرة القدم الفلاني، فينحاز أحدهم للفريق الأحمر، وينحاز الثاني للفريق الأزرق، وبتعصّب وحميّة، بل وحتى التعصب للفِرق الخارجية، فينحاز أحدهم لفريق ريال [مدريد] وينحاز آخر لفريق آخر (4)، يتعصبون لهذه الفِرق، وإذا كان هناك نفس هذا المقدار من العصبية والحمية لصالح الاقتصاد الوطني والإنتاج الداخلي فسوف تتحسن الكثير من بضائعنا. هذا بدوره مانع آخر من الموانع.

حسناً، لنتحدث الآن عن شعار هذه السنة، شعار هذه السنة هو قضية «دعم البضائع الإيرانية». أولاً أقول إن البعض يقولون «لا فائدة من تعيين شعار وعنوان للسنة، فهم لا يعملون به، فلماذا تُعيِّنون شعاراً للسنة بلا فائدة؟» إنني لا أوافق هذا الكلام. شعار السنة يُطرح بهدفين: أحدهما توجيه السياسات التنفيذية وأداء المسؤولين الحكوميين ومدراء الدولة، والهدف الآخر توجيه الرأي العام؛ بمعنى أن يتنبه الرأي العام إلى القضية المهمة بالنسبة للبلاد اليوم. وقضية البضاعة الإيرانية قضية مهمة بالنسبة للبلاد في الوقت الحاضر. رجال الحكومة أيضاً قد يكون بعضهم لا يوافق هذه الشعارات التي نُعيّنها لكل سنة، لكن الذين يوافقونها يعملون ويجدّون ويجتهدون بقدر استطاعتهم. طبعاً إذا تمَّ العمل بشكل أفضل وأشمل فسوف تتحقق نتائج أكثر. وعليه ليس الأمر بحيث لا تكون فائدة من هذه الشعارات، لا، بل هذه الشعارات مفيدة.

شعار هذه السنة فيه خطاب للمسؤولين وفيه أيضاً خطاب للشعب. شعار هذه السنة هو دعم البضائع الإيرانية. البضاعة الإيرانية تعني الحصيلة النهائية للعمل ورأس المال والنشاط الاقتصادي والذهنية والإبداع وكل شيء. المستثمر برؤوس أمواله، والعامل بعمله، والمصمم بذهنيته وعلمه، هؤلاء جميعاً يجدون ويسعون فتكون حصيلة عملهم البضائع الإيرانية. إذن فهي شيء عظيم ومهم للغاية ويجب دعمه. في دعم هذه البضائع الإيرانية ـ التي هي ثمرة جهود الناشطين الاقتصاديين والناشطين من العمال والمستثمرين والمخططين والمصممين وما إلى ذلك ـ للشعب دوره بوصفه منتج البضائع الإيرانية، وله دوره أيضاً بوصفه مستهلك البضائع الإيرانية. يجب عليهم الإنتاج ويجب عليهم الاستهلاك. يجب عليهم السعي والجد في الإنتاج ـ وسوف أذكر الأعمال التي يجب أن تتم ـ ويجب عليهم عند الاستهلاك أن يراقبوا أنفسهم وأن لا يستهلكوا إلا البضائع الإيرانية. وهذا ما يرسم واجبات على عاتق الشعب وعلى عاتق المسؤولين الحكوميين. المخاطب بهذا الشعار هم الشعب وأيضاً المسؤولون.

حسناً، كيف ندعم؟ يحصل هذا الدعم أولاً بزيادة الإنتاج وهو ما يقع على عاتق المسؤولين الحكوميين ـ أن يضعوا البرامج والخطط لذلك ـ وكذلك على عاتق الناس والشعب نفسه ليزيدوا من الإنتاج الداخلي.

يجب أن ترتفع جودة الإنتاج الداخلي. روي عن الرسول الأكرم أنه قال: «رَحِمَ اللهُ امرَءً عَمِلَ عَمَلاً فَأتقَنَه» (5). فليتم إنتاج الأعمال بمتانة وجمال وجودة عالية.

من جوانب دعم [البضائع الإيرانية] التطابق مع الاحتياجات والأذواق والمزايا الحالية، فهذا أيضاً من الدعم. لا يكون الأمر بحيث لا تنظروا ما الذي يريده الناس. إنتاج البضاعة الإيرانية بمعنى يجب إنتاج شيء يتطابق مع ذوق الناس ورغباتهم، وبالدقة والظرافة اللازمة.

العثور على أسواق خارج البلاد والتسويق والتصدير هي أيضاً من وجوه دعم البضائع الإيرانية. يجب علينا ونحن جيران لخمسة عشر بلداً ـ ما عدا البلدان الأخرى البعيدة التي يمكنها استهلاك البضائع الإيرانية، فنحن جيرانٌ ولنا حدودنا مع خمسة عشر بلداً ـ علينا أن نستفيد من هذه الجيرة ونصدر البضائع الإيرانية. وهذا يقع على عاتق وزارة الخارجية وأيضاً على عاتق وزارة التجارة وكذلك على كاهل الناشطين الاقتصاديين الشعبيين، التسويق. زوّدوني بإحصائيات ـ ولأنني لم أسجّلها لذلك لا أتذكرها بدقة لكنها إحصائيات مهمة جداً ـ تقول إننا إذا استطعنا توفير عشرين بالمائة من المنتجات التي تحتاجها البلدان الجارة لنا ـ البلدان الجارة فقط ـ أي عشرين بالمائة من مجموع استهلاكهم، لحققنا العدد الفلاني من فُرص العمل في الداخل ـ كان عدداً كبيراً جداً لا أتذكره الآن بدقة ولا أستطيع أن أقوله ـ وسيكون لهذا تأثيره الكبير جداً في توفير فرص العمل في البلاد وفي إنتاج الثروة الوطنية. هذا بدوره أحد جوانب الدعم.

ثم هناك جعل البضائع منخفضة الثمن وقادرة على المنافسة. من الأعمال بالغة الأهمية في البلاد أن نستطيع جعل الإنتاج الداخلي قادراً على منافسة البضائع الخارجية، وأرخص ثمناً في حدود المقدور من البضائع الخارجية، وبالطبع فإن لهذا مقدماته وتمهيداته، وبعض المقدمات على عاتق الحكومة وبعضها على عاتقنا نحن.

من الأعمال بالغة الأهمية في البلاد أن نستطيع جعل الإنتاج الداخلي قادراً على منافسة البضائع الخارجية.
و لهذا الدعم لوازمه التي إنْ لم تراع لن يحصل هذا الدعم. ومن لوازم ذلك الإدارة الجادة للاستيراد من قبل الحكومة. على رجال الحكومة إدارة الواردات بشكل جاد. البضائع التي تنتج في الداخل أو التي يمكن أن تنتج في الداخل يجب بالتأكيد عدم استيرادها من الخارج. يراجعونني ويشتكون في حالات كثيرة ويقولون إننا أسسنا هذا المعمل وأنتجنا هذه البضاعة وبمجرد أن أرادت هذه البضاعة النزول إلى الأسواق وجدنا فجأة أن أبواب الجمارك انفتحت ودخلت مماثلات هذه البضاعة من الخارج! وهذا ما يفرض الإخفاق على الكثير من معاملنا، وهو ما يؤدي ببعضها إلى الإفلاس وإلى أن تعاني من المشكلات. يجب بالتأكيد الاهتمام بهذه الواردات وإدارتها من قبل الحكومة.

أحياناً يستوردون أشياء فننبِّه المسؤولين ونسألهم لماذا تم استيراد هذا الشيء؟ فيقولون لنا في الجواب إننا لسنا نحن الذين استوردناه بل استورده القطاع الخاص. هذا الجواب غير كاف، فالقطاع الخاص يجب أن يُدار، وعلى الحكومة أن تديره وتسيطر على ما يُستورد، وبأيّ مقدار يُستورد، وأيّ شيء يُستورد. يجب أن يتنبهوا إلى هذه الأمور. لا شكَّ في أن هذا أحد الأعمال المهمة التي ينبغي أن تتم.

ومن لوازم [دعم البضائع الإيرانية] المحاربة الجادة لتهريب البضائع، وللأسف فإن هذه المحاربة الجادة لم تحصل على نحو صحيح في سنوات متعددة، ويجب أن تحصل. طبعاً سمعتُ في الآونة الأخيرة أن وزارة الاقتصاد أطلقت في الجمارك نظاماً، ويُقال إن هذا النظام مؤثر جداً ومفيد جداً للحيلولة دون تهريب البضائع. جيد جداً، ليتابعوا هذه العملية وليعملوا على تحقيق هذا الأمر بالتأكيد. يجب الحؤول دون تهريب البضائع. وليتقيّد الناس بدورهم وبتعصّب بعدم استهلاك البضاعة التي يعلمون أنها مهرّبة حتى لا يكون التهريب مُجدياً بالنسبة للمهرِّب. إحصائيات خبرائنا الشباب عن التأثير المخرب [المدمر] للاستيراد على إنتاج البلاد إحصائيات مهمة للغاية. هناك خبراء شباب يعملون في هذا المجال ويفهمون بشكل جيد جداً، جاؤوني بإحصائيات وعرضوها عليَّ بأن المقدار الفلاني من الاستيراد كم من فرص العمل يقضي عليها داخل البلاد! ثم نئنّ من بطالة الشباب والواردات تدخل البلاد هكذا كالسيل بلا مُبرر. إذن، من أنواع الدعم محاربة تهريب البضائع والاستيراد المنفلت في الداخل.

ومن أنواع الدعم استثمار الناشطين الاقتصاديين في عملية الإنتاج. يجب لا يكون الأمر بحيث يبحث الناشطون الاقتصاديون عن الأعمال المربحة أكثر. إذا أرادوا الاستثمار فليستثمروا في المجالات الإنتاجية. إذا أخلصوا النوايا وجعلوها إلهية ومن أجل البلاد فسيكون هذا الاستثمار عبادة. الاستثمار فيه ربح ولكن لأنه من أجل تقدم البلاد ولمساعدة الناس فسيكون عبادة.

حسناً، كانت هذه نقاطاً تتعلق بقضية دعم البضائع الإيرانية. توصيتي هي كما قلتُ طلب البضائع الإيرانية واستهلاكها بتعصب. ليبع البائع البضائع الإيرانية وليشتر المشتري البضائع الإيرانية، وليساعد المسؤولون الإنتاج الإيراني ويدعموه وليمنعوا الاستيراد والتهريب. انتهى هذا الموضوع.

لقد أسهمت الجمهورية الإسلامية بنصيبٍ وافٍ في قصْم ظهر التكفيريين في المنطقة واستطاعت دفع شرورهم عن الناس في جزء مهم من هذه المنطقة.
وأشير إلى قضايا المنطقة وخبث الأمريكيين وهو أمر لازم وقضية الساعة. لقد رفعت الجمهورية الإسلامية في العام الماضي بيرق عزة الشعب الإيراني واقتداره في المنطقة. لقد أسهمت الجمهورية الإسلامية بنصيبٍ وافٍ في قصْم ظهر التكفيريين في المنطقة. هذا ما فعلته الجمهورية الإسلامية واستطاعت دفع شرور التكفيريين عن الناس في جزء مهم من هذه المنطقة وتوفير الأمن لهم. هذه أعمالٌ قامت بها الجمهورية الإسلامية. هذه أعمال كبيرة وليست بالأعمال الصغيرة. وإذا بالفضوليين الدوليين الذين يريدون التدخل في كل القضايا الداخلية لمناطق العالم المختلفة يعترضون أنْ لماذا يشارك الإيرانيون في قضايا العراق وفي قضايا سورية وما شاكل، ولماذا يتدخلون؟ حسناً، وما شأنكم أنتم؟ ما شأنكم أنتم؟! لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية إحباط المخطط الأمريكي في المنطقة. فما كان المخطط الأمريكي في المنطقة؟ كان المخطط الأمريكي أن تؤسس جماعاتٌ شريرة وظالمة ومتهتِّكة من أمثال داعش لتصرف أذهان الشعوب عن الكيان الصهيوني الغاصب وتشغلهم بقضاياهم الداخلية وبحروب ومشكلات داخلية ولا تترك لهم فرصة ليفكروا بالكيان الصهيوني. كان هذا هو المخطط الأمريكي من تأسيس داعش، وقد استطعنا إحباط هذا المخطط بتوفيق من الله وإذنه.

[الأمريكيون] يقولون «كان لنا دور في قمع داعش»، إنهم يكذبون. سياسة أمريكا أن تحتفظ بداعش ولكن في قبضتها. طبعاً داعش وأمثال داعش أشياء من السهل على أمريكا إيجادها ولكن الاحتفاظ بها أمرٌ صعب. يريدون الاحتفاظ بها [الجماعات الإرهابية] والسيطرة عليها في قبضتهم، ولا توجد لديهم أية دوافع للقضاء عليهم، فأمن المنطقة لا يعنيهم، بالإضافة إلى أن الأمريكيين غير قادرين على توفير الأمن للمنطقة، والدليل على ذلك أفغانستان. لقد دخل الأمريكيون أفغانستان منذ أربعة عشر عاماً، فأية سخافة استطاعوا تحقيقها؟ هل استطاعوا توفير الأمن لأفغانستان؟ أبداً، لم يستطيعوا. والبعض يقولون إنهم لم يستطيعوا، والبعض الآخر يقولون إنهم لم يريدوا. أيّاً من هذين كان الأمر فمعناه أن ادعاء أمريكا وأمثال أمريكا ـ أي بريطانيا والآخرين ـ للتواجد في المنطقة ادعاءٌ سخيفٌ وفي غير محله.

إن تواجدنا جاء بطلبٍ من الحكومات. أينما ذهبنا كان ذلك بسبب أن حكومات المنطقة وشعوبها طلبت منا ذلك. ولم نفرض منطق القوة، ولم نفرض على أحد أن افعل هذا ولا تفعل ذاك، ولم نتدخل في شؤون البلدان، إنما كانوا يطلبون المساعدة فساعدناهم، وقد قدّمنا المساعدات بدوافع عقلانية ومنطقية، ليعلم الجميع هذا الشيء. أية مساعدة حصلت في شؤون المنطقة تمت وفق حسابات منطقية وعقلانية في منتهى الدقة. لم يكن الأمر بحيث أقدم أحدٌ على شيء بدوافع عاطفية، لا، كلا. لقد استطعنا وتوفقنا بحمد الله، وسيكون الأمر كذلك بعد الآن أيضاً. لا نقصد التدخل في شؤون البلدان، وأستطيع القول بلا شك إن أمريكا لن تصل إلى مبتغاها في شؤون المنطقة، وسوف نحقق مقاصدنا إن شاء الله.

ألخّص الكلام يا أعزائي، ألخص ما قلناه في عدة جمل، هذا هو تلخيص بحثنا:

أولاً كل مشكلات البلاد ممكنة الحل، ليس لدينا في البلاد أية مشكلة لا تقبل الحل. وليس لدينا أية مشكلة مفتاحها وحلها بيد الأجانب. هناك مشكلات لكن جميع مشكلات البلاد ممكنة الحل ومفتاحها بيد الشعب الإيراني نفسه ومسؤولي البلاد.

النقطة الثانية: الثورة تتقدم إلى الأمام باقتدار وحيوية ونشاط. الأربعون عاماً ليس سن شيخوخة الثورة وليست فترة تراجع الثورة إلى الوراء، بل هي فترة نضج الثورة ونشاطها. الثورة في الأربعين من عمرها لا تزال تتقدم والحمد لله بقدرة وبحفظ شعاراتها وبرفع راياتها الأصلية.

النقطة الثالثة: شبابنا في كل الساحات هم رصيد أمل البلاد. الشباب رصيدٌ ذو قيمة كبيرة جداً. في الصناعات الفائقة الشباب هم الذين ينشطون، وفي الشؤون الثقافية والفنية الشباب هم الذين ينشطون ويعملون، وفي الجوانب العسكرية والقيادية الشباب هم الذين يمارسون دورهم، وفي الإدارة أيضاً أينما كان الشباب كانت الإدارة إدارة أنشط، وتوصيتنا هي الاستعانة بالشباب أكثر في إدارة الأجهزة المختلفة.

النقطة التالية هي أنَّ العدو كان يأمل ـ وهذه نقطة مهمة ـ أن يُعرِض الجيل الثالث والجيل الرابع [من أجيال الثورة الإسلامية] عن الثورة، بيد أن ميول الجيل الثالث والرابع نحو الثورة اليوم وحبّه العميق والناضج لها إنْ لم يكن أكبر من الجيل الأول فليس بأقل منه. يحاول العدو تضخيم المشكلات وإظهارها أكبر وأكثر من مقدارها الواقعي بأضعاف.

وفي المقابل أقول إن كل هذه المشكلات ممكنة الحل على يد شبابنا بتوفيق وهداية من الله. العدو قلقٌ وغاضبٌ جداً من حيوية شبابنا وتوثبهم. حين شاهدتم العدو ـ الأمريكيين والغربيين ـ يعارضون أجهزة الطرد المركزي الإيرانية إلى هذه الدرجة فلم يكن ذلك فقط لأن هذه الأجهزة تُخصّب اليورانيوم بل الأكثر من ذلك لأن هذا الحراك العلمي يُخصّب أذهان شبابنا ويجعلهم جاهزين لأعمالٍ أكبر، والأكثر من ذلك لأن ذلك يُعبّر عن قدرات الجمهورية الإسلامية على تفعيل وتحريك الجيل الشاب في البلاد. أقولها لكم إن شبابنا الأعزاء سوف يبنون هذا البلد بأفضل مما كان في أذهان الجيل السابق أي جيلنا نحن إن شاء الله، وسوف يستطيعون رفع راية استقلال وعظمة وشرف هذا البلد أعلى مما كان لحد الآن.

اللهم اشمل شبابنا بلطفك ورحمتك وهدايتك، وثبّت أقدامهم على صراط الحق المستقيم. اللهم بمحمدٍ وآل محمد اجعل إيران الإسلامية شامخة أكثر فأكثر باستمرار، واحشر الروح الطاهرة للإمام الخميني الجليل الذي فتح أمامنا هذا الطريق مع أرواح أوليائك. اللهم أرضِ القلبَ المقدس للإمام المهدي المنتظر عنا، واشملنا بأدعيته. اللهم اجعلنا من المشمولين بالهداية المعنوية والغيبية لذلك الإنسان العظيم، واجعلنا من أنصاره وعجّل في فرجه.

والسّلام عليكم ورحمة ‌اللّه وبركاته.

 

 

الهوامش:

1 ـ كلمة الإمام الخامنئي في لقائه أهالي محافظة أذربيجان الشرقية بتاريخ 18/02/2018 م.

2 ـ كلمته في حشود زوار مرقد الإمام الرضا (ع) وأهالي مدينة مشهد المقدسة بتاريخ 21/03/2017 م.

3 ـ جامع الأخبار، ص 101.

4 ـ ضحك الحضور والإمام الخامنئي.

5 ـ شواهد التنزيل، ج 1، ص 5.

[Total: 0    Average: 0/5]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.